قصة حياتي لمارشال الاتحاد السوفيتي ألكسندر ميخائيلوفيتش فاسيليفسكي PDF

الجزء الأول

 

الجزء الثاني

كتب : أحمد بهاء الدين شعبان

   يُعدُّ هذا الكتاب واحداً من أهم المراجع السوفيتية الموثوقة، التي تصدّت لدراسة مسيرة وتطورات ”الحرب الوطنية العظمى“، (1941 ـ 1945)، وتناولتها بالبحث والتحليل، ليس من خارج منظومة إدارتها كمراقبٍ عن بُعد، وإنما من داخل “المطبخ” المركزي، الذي أعدَّ ونظَّمَ وأدار وقاد الجيش السوفيتي، خلال المعارك المصيرية الضارية، التي انتهت بدحر العدوان الإمبريالي النازي، وتحقيق النصر التاريخي، للشعب والدولة السوفيتية عليه.

*******

ألكسندر ميخائيلوفيتش فاسيليفسكي

ألكسندر ميخائيلوفيتش فاسيليفسكي

   والمارشال فاسيليفسكى واحد من الضباط الروس الذين حظوا بمكانةٍ رفيعةٍ بالجيش الأحمر، ترقّى في السلك العسكري حتى أصبح مارشال الاتحاد السوفيتي عام 1943، كما عمل في مناصب رئيس هيئة الأركان العامة، ونائب وزير الدفاع خلال الحرب العالمية الثانية، ثم وزيرا للدفاع في الفترة ما بين 1949 وحتى 1953، وخلال عمله كرئيس لهيئة الأركان العامة وضع فاسيليفسكي خطط الهجوم المضاد على ستالينجراد كذلك خطط الهجوم على بروسيا الشرقية وكونيجسبرج.
بدأ فاسيليفسكي حياته العسكرية مع بداية الصراعات المُسلَّحة خلال الحرب العالمية الأولى، ونال رتبة نقيب عام 1917، ومع بداية الثورة البلشفية والحرب الأهلية الروسية انتظم فاسيليفسكي ضمن صفوف الجيش الأحمر، وشارك في معارك الحرب البولندية السوفيتية، ومع نهاية الحرب تدرّج سريعا في المناصب القيادة داخل الجيش حتى أصبح قائد فوج عام 1930، وهو المنصب الذي أظهر مهارة فاسيليفسكي في تنظيم وتدريب القوات، وأهَّله أيضا ليصبح عضوا في إدارة التدريب العسكري عام 1931، وفي عام 1937 أصبح فاسيليفسكي ضابطا للأركان.
ولعب فاسيليفسكي، مع بداية الهجوم السوفيتي المضاد عام 1943، دوراً كبيراً في التخطيط لاجتياح القوات السوفيتية لمواقع العدو في الدون الأعلى، كذلك الدونباس والقرم وبيلاروسيا ودول البلطيق مُنهياً الحرب باستيلائه على كونيجسبرج في إبريل 1945، ليُعيّن بعدها قائداً عاماً للقوات المسلحة في الشرق الأقصى، حيث قام بتنفيذ عملية الهجوم السوفيتي الناجح على منشوريا، والذي تُوج باستسلام اليابان، وعقب الحرب رُقىَّ فاسيليفسكي إلى موقع وزير الدفاع للاتحاد السوفيتي، واستمر في موقعه حتى وفاة ستالين عام 1953.

*******

233px-marshal_of_the_ussr_1980_cpa_5117
ومن هنا فإن مصدر الأهميّة التاريخية لكتاب ”قضية حياتي“، أنه مكتوب بقلم مقاتل كبير، وقائد سوفيتي عظيم، خبر العمل العسكري من موقع ”النفر“، أو ”الجندي العادي“، وصعد بجدارته حتى أرفع مواقع القيادة السوفيتية، وحظى بثقة واحترام قادته، وعاصر كل وقائع الحرب، وشارك في توجيه الجيش السوفيتي إبّان معاركها، وأشرف على إدارة مواقعها التكتيكية وحروبها الاستراتيجية، واطّلع على كل وثائقها، ما نشر ومالم يُنشر منها، وقد ساعدت وضعيته المتقدمة في مراتب القيادة، والموقع الذى كان يُطل منه على سير عملياتها، على رؤية دقيقة لنظم إدارة الحرب السوفيتية، ومُحددات حركة جيوشها، ووسائل تعبئة مجهوداتها الحربية، وآليات اتخاذ القرارات المفصليّة فيه.
ليس هذا ما تضمنته صفحات هذا الكتاب القيِّم وحسب، وإنما يلقى الكتاب أيضاً، أضواءً ساطعةً على دور الهيئة القيادية الرئيسية للقوات المسلحة السوفيتية، أي قادة الجبهات والجيوش ومجالسها الحربية وهيئات أركانها، وهي نظرة من الداخل، تُفيد في إدراك العوامل الفاعلة التي قادت إلى تحقيق ما تمَّ من إنجازات باهرةٍ.

*******

   والكتاب المُصاغ بلغةٍ مُحكمةٍ ورصينة ومقتصدة ومُعبِّرة، يتناول مراحل حياة المارشال فاسيليفسكى، الطفل الرابع لأب أنجب ثمانية أطفال، والمولود في قرية فقيرة تسمى نوفايا جوليتشكا بفيتشوجا، بالإمبراطورية الروسية، بتاريخ 30 سبتمبر 1895 (بحسب التقويم الجديد أو 18 سبتمبر 1895 بحسب التقويم القديم).
وقد عاش الطفل فاسيليفسكى حياة قاسية يعاني مع أسرته من الفقر والاستغلال والاستبداد والقمع، ودرس في إحدى المدارس الدينية قبل أن يدفعه نشوب الحرب العالمية الأولى، عام 1915 إلى الالتحاق بالجيش الروسي، بعد أن ”اجتاحتني المشاعر الوطنية العاصفة، واستبدت بي الشعارات المرفوعة حول الدفاع عن الوطن“.
وقد شهد فاسيليفسكى في سنوات فتوته وقائع ثورة أكتوبر 1917، وانضم إلى فصائلها التي قاتلت قوى الغزو الإمبريالي الأجنبي، وتطورت مواقعه ورتبه العسكرية ـ مع مر السنين، وتعاظم الخبرات، وبروز كفاءته، وإدراك القادة لقدراته العسكرية ومواهبه القيادية ـ مُعايناً عن قرب المعارك الرئيسية في الصراع من أجل حماية الوطن السوفيتي والروسي.
واستمر فاسيليفسكى، في تطوير معارفه الحربية وخبراته القتالية، والترقي في مراكز القيادة بالجيش السوفيتي حتى اندلعت ”الحرب الوطنية العظمى“.

*******

   كان العدو الألماني الشرس قد تقدم حتى مشارف موسكو، فشارك فاسيليفسكى، بهمةٍ عالية، من موقع القيادة العملياتية، في الجهد الأسطوري والتضحيات الهائلة التي قدمها الشعب وقواته المسلحة لرد العدوان النازي، كما عاصر تطورات الدفاع المجيد عن مدينة ليننجراد، ومعارك الدون والفولجا، والصراع الرهيب الذى نشأ على قوس كورسك، وتفاصيل معارك تحرير الدونباس، والدنيبر، ومعارك تحطيم تقدم العدو على محور القرم، ووقائع تحرير بيلاروسيا، والصراع من أجل استخلاص منطقة البلطيق من بين الأنياب النازية، وكذلك تتويج هذه المعارك المظفرة بمواجهة القيادة الألمانية في عقر دارها: بروسيا الشرقية التي كانوا يطلقون عليها ”حفرة الذئب“، وقدس أقداس هتلر وقيادته.

*******

وأخيراً فقد كان على المارشال فاسيليفسكى أن ينهض بمهمة قيادة قوات الشرق الأقصى لحماية الحدود السوفيتية من الأطماع اليابانية، وهى المعركة التي كانت قمة في الإعداد والتمويه والمفاجأة، والتي كُللت بالنجاح، وكانت حسب تقدير المارشال فاسيليفسكى المعركة التي وضعت حداً للحرب العالمية الثانية، وليس إلقاء الأسلحة الذريّة الأمريكية على مدينتي هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين يومي 6 و9 أبريل 1945، حيث اعترف رئيس الوزراء الياباني سودزوكى في 9 أبريل بأن ”دخول الاتحاد السوفيتي في الحرب (ضد اليابان) صباح اليوم يضعنا نهائياً في وضع ميؤوس منه ويجعل مواصلة الحرب أمراً مستحيلاً“.
وبناءً على ما تقدم يصل المارشال فاسيليفسكى إلى استنتاج صحيح للغاية: ”إن الإبادة الجماعيّة لسُكان المدينتين اليابانيتين لم تكن تحتمها أية ضرورات عسكرية. وبالنسبة للدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن إلقاء القنبلة الذريّة عملاً موجّهاً لإنهاء الحرب العالمية الثانية، بقدر ما كان الخطوة الأولى في ”الحرب الباردة“ ضد الاتحاد السوفيتي“.

*******

   ويبرز فاسيليفسكى، الذى خدم في السلك العسكري لمدة 44 عاماً، (من 1915 وحتى 1959)، خلاصة تجربته في نهاية كتابه، ويرصد بعض أهم الدروس المستفادة التي قادت إلى الانتصار الكبير في ”الحرب الوطنية العظمى“، ومنها أن المقياس الحاسم لعمل القائد الناجح في سنوات الحرب كان يتمثل في ”المهارة بتنفيذ العمليات الاستراتيجية على مستوى الجبهات والجيوش، وتكبيد العدو هزائم جديّة، وقد أحسن قادة جبهاتنا وجيوشنا بشكلٍ عامٍ تأدية هذه المهمات على نحوٍ ناجح، وتشهد على ذلك جميع العمليات الهجومية للجيش الأحمر ولاسيما ابتداءً من عملية ستالينجراد. فكل عملية من هذه العمليات يمكن اعتبارها ليس دليلاً على رجولة الكادر القيادي والسياسي وإرادته الصلبة فحسب، بل يمكن اعتبارها أيضاً نموذجاً ساطعاً على تنظيم هذه العمليات وتأمين تنفيذها واختيار أفضل النسب بين جميع صنوف القوات المشتركة بالعمليات، وقيادة هذه القوات بمهارة في مجرى العمليات، وردة الفعل الفورية والسليمة على جميع التطورات المُعقَّدة التي تنشأ في الوضع القتالي والعملياتى. وبنتيجة هذه كنا نتغلب على العدو، وكنا نتغلب عليه عادةً بأسلوب سوفوروف (القائد العسكري الروسي المشهور، 1730 ـ 1800): أي بالمهارة وليس بالعدد“.

*******

   ويختم المارشال فاسيليفسكى كتابه بإزجاء التحيّة إلى الأبطال الفعليين الذين يعود إليهم فضل تحقيق الانتصار العظيم في المقام الأول: ”وإذ أنهى أود أن أُعطى البطل الرئيسي للحرب الوطنية العظمى المتمثل في الجندي السوفيتي ورجل الأنصار وضابط الصف والعامل السياسي في القوات المسلحة السوفيتية المجيدة حقه من التقدير. فهؤلاء بالذات هم الذين زادوا عن شرف الوطن الاشتراكي وحريته، وطردوا المحتلين الفاشيين من أرضه، وساعدوا شعوب أوروبا على التحرر منهم“. كما يُقر بدور الحزب الشيوعي السوفيتي، الذي كان يحكم البلاد آنذاك، و”الذي قاد الشعب وجيشه بحكمة عبر جميع محن الحرب ومصاعبها، ونحو الهزيمة الكاملة لألمانيا الفاشيّة واليابان العسكرية“.

*******

وتقديراً لدور المارشال فاسيليفسكى، فقد مُنح أعلى الأوسمة في الاتحاد السوفيتي، تكريماً لبطولته واعترافاً بعطائه: وسام لينين (8 مرّات)، وسام النصر (مرتان)،
وسام الراية الحمراء (مرتان)، وسام سوفروف من الدرجة الأولى (مرتان)، وسام ثورة أكتوبر، وسام النجمة الحمراء، وسام الخدمة الوطنية.
وقد رحل المارشال ألكسندر ميخائيلوفيتش فاسيليفسكي عن عالمنا، بمدينة موسكو في 5 ديسمبر 1977، وتقرر دفنه في مقبرة سور الكرملين، تقديراً لتاريخه الناصع، الحافل بأعمال البطولة والانتصارات الباهرة، وما قدمه من خدمات لوطنه وشعبه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*