الشيخ محمد عياد الطنطاوي (1810-1861)

Conference-2

من هو هذا الشيخ ” محمد عيَّاد الطنطاوى “

  هوأحد علماء الإسلام الذين يوصفون بالموسوعية. فقد جمع بين صفات علمية وأدبية ودينية متنوعة. فكان خبيراً في معرفة القرآن والفقه ومتبحر في اللغة العربية ويعرف جيداً دقائق الأدب العربي قديمه وحديثه. كما أنه جامع للمخطوطات وشاعر ويقرض الشعر العربي في نظام القصيدة، وكاتب مجموعة من الشروحات على أعمال علماء مسلمين. وقدر للشيخ الطنطاوي أن يعيش الطنطاوي حوالي نصف قرن قضى نصفه في وطنه الأم مصر وأكمل الباقي في روسيا، فجمعت حياته بين الفترتين لتكمل إحداهما الأخرى.

  نقطة البداية كانت في قرية صغيرة بالقرب من مدينة طنطا المصرية ثم استمرت في مركز العلوم الإسلامية في القاهرة – الأزهر ، وأخيراً في عاصمة روسيا القيصرية – سان بطرسبورغ وانتهت في مقبرة تترية في قرية فولكوفا في الثاني والعشرين من ربيع الثاني عام 1278 للهجرة الموافق للسابع والعشرين من شهر أكتوبر – تشرين الأول عام 1861.

  عمل الشيخ الجليل في التدريس في الأزهر واكتسب شهرة واسعة كعالم دين وكفقيه في اللغة. فتوافد عليه الأوروبيون المقيمون في مصر ليعلمهم اللغة العربية خارج العمل الجامعي، حيث كان يدرس علوم الدين لطلبة الأزهر. ثلاثة من طلبته الأوروبيين تركوا بصمات في حياة الشيخ الطنطاوي، وهم الفرنسي ف. فريستنيل والانجليزي ي. لين والروسي ن. موخين.

  أما ف. فريستنيل فكان دبلوماسياً ومستشرقاً وكتب في مقدمة كتابه ”رسائل في تاريخ العرب“ بأن الطنطاوي معلمي وكان تقريباً العالم الوحيد في مصر الذي عمل بحب وشغف على دراسة الآثار القديمة للثقافة العربية. وي. لين ، مؤلف كتب عن عادات وتقاليد المصريين، اعتبر الطنطاوي ”أول لغوي في عصره“. وأما تلميذه الروسي ن. موخين فكان معجباً اشد الإعجاب بمعلمه الشيخ الطنطاوي ن حيث تعلم على يديه الشعر العربي القديم. ومن عام 1835 عمل موخين مترجماً في القنصلية الروسية في مصر.

  ويصعب التكهن بما فكر به القنصل الروسي في مصر الكونت ميديم، عندما طلب منه وزير الخارجية الروسي آنذاك السيد ك.ف. نيسيلرودي ترشيح أستاذ للغة العربية والشريعة الإسلامية ليدرس في قسم اللغات الشرقية في الوزارة. ومن المؤكد أن الشيخ الطنطاوي تلقى دعوة من القنصل في عام 1839 للانتقال والعمل في خدمة القيصر الروسي. فقبل الطنطاوي هذه الدعوة وحصل على الموافقة السامية لحاكم مصر محمد علي. وغادر مصر متوجهاً إلى روسيا في ربيع 1840. ولم يزور ”وطنه الحبيب – مصر“ إلا مرة واحدة في عام 1844، حيث قضى إجازته الصيفية. لقد أصبحت روسيا وطنه الثاني.

  ففي مصر لم يكن الطنطاوي مرتبطاً بعمل في الدولة. وبعد أن قدم إلى روسيا بقي عقدين من الزمن وهو يفكر بالعودة إلى وطنه الأم، بالرغم من أن امكانياته العلمية عجلت بتعيينه في الثاني من يوليو- تموز عام 1840، أي بعد وصوله بشهر واحد فقط إلى العاصمة الروسية في عهد القيصر نيقولاي الأول (1825-1855)، بروفيسوراً في اللغة العربية في القسم التدريسي في الدائرة الآسيوية لوزارة الخارجية الروسية واختير أيضاً برتبة مستشار دولة وبوظيفة مشرف على الاحتفالات الملكية. وهكذا بدأ الشيخ المصري الذي ينتمي إلى طائفة علماء التنوير المسلمين بتأدية مهماته الكبيرة بصفته موظفاً في جهاز الدولة وعضواً في طبقة النبلاء وأحد المقربين من البلاط القيصري الروسي.

  وقد نشرت صحيفة ”أخبار بطرسبورغ“ مقالة بعنوان ”شارع نيفا“. ورد فيها: ”تسالونني من يكون ذلك الرجل الوسيم الذي يرتدي لباساً شرقياً وعمامة بيضاء وله لحية سوداء كالفحم وعيون متقدة يشع منها البريق ويعبر وجهه عن النباهة وهو المسمر البشرة – ولكن ليس من شمس سان بطرسبورغ الباهتة. لقد التقيتم به مراراً وهو يتمشى في شارع النيفا بكل زهو وفخار وخاصة عندما يكون الطقس لطيفاً“ وبالطبع فأنتم تتشوقون لمعرفة ذلك الشخص الغريب. إنه الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي وصل للتو ”من شاطئ النيل“ ليشغل مكان أستاذ اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في وزارة الخارجية الروسية. ويضيف الكاتب: ”يمكنكم الآن تعلم اللغة العربية بدون مغادرة بطرسبورغ“ . وكاتب المقالة هو الشاب حينها، ب. سافيلييف – تلميذ المستعرب سينكوفسكي- والذي أصبح فيما بعد عالماً في الآثار والمنمنات.

  وأصبحت فترة عمل الشيخ الطنطاوي في الدائرة الآسيوية مادة للروايات. ولكي نتعرف على سيرة حياته في تلك الفترة نعود إلى كتاب الأكاديمي إغناطيوس كراتشكوفسكي عن الطنطاوي. بالاضافة إلى مجموعة كبيرة من المقالات في المراجع والكتب المختلفة التي تمكننا من رسم صورة حية لتلك المرحلة الغنية من حياة الشيخ العالم القادم من ضفاف النيل إلى ضفاف النيفا.

  عاشت روسيا في تلك السنوات حقبة أحاطت بها أحداث دولية معقدة أفرزت ”المسألة الشرقية“ والوضع في شمال القوقاز وتركستان وخلقت أعباء هائلة على العاملين في الدائرة الآسيوية. فتكون الأجواء هادئة فيها عندما تهدأ أحوال الدولة وتنقلب إلى أحوال متوترة تبعاً للأحداث المحيطة بروسيا. ومن مهام الطنطاوي كمستشار دولة كانت أمور كثيرة ومتنوعة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*