مُذكرات المارشال ”جيورجى جوكوف“ بطل ”الحرب الوطنية العظمى“

كتب : أحمد بهاء الدين الشافعي

وُلد ”جيورجى جوكوف“، (Георгий Жуков)، بقرية ”ستريلكوفكا“ في محافظة ”كالوجا“ يوم 19نوفمبر عام 1896 وتوفي في 18يونيو 1974 عن 78 عاماً.
وقد عاش والده يتيماً في ملجأٍ إلى أن تبنته إحدى الأرامل، لكنها ماتت وهو في الثامنة من عمره، فاضطر إلى العمل لدى صانع أحذية، في رعي ماشيته وخدمة منزله.
مع الأحداث الثورية في 1905 سافر الوالد إلى موسكو وبطرسبرج، مشياً على الأقدام، للالتحاق بأحداثها، ثم عاد الى القرية، وظل مُقيماً بها، يعمل بصناعة الأحذية حيناً وبالزراعة حيناً آخر، حتى وافته المنيِّة في عام 1921.
تزوج والده، الذي كان يتمتع باحترام أهل القرية، وهو في سن الخمسين، من فتاةٍ مجاورة عمرها خمسة وثلاثين عاماً، زواجا ثانياً لكليهما، وعاشا في فقرٍ مُدقعٍ، حيث كانت الأم تؤدي أشق الأعمال لقاء أجرٍ بسيط يكفي بالكاد لسد الرمق. وكان الفقر الذي يعم القُرى يُجبر الرجال على الرحيل عنها طلباً للرزق، وقد قضى أخوه ألكسي من الجوع والمرض، ولم يبق له سوى أخت وحيدة، وأم هاجرت إلى المدينة بحثاً عن أسباب الحياة. أما ”جوكوف“، فقد اعتاد في طفولته على مساعدة الأسرة في حصد الجوير (نبات كالشعير يُصنع منه الخبز الشعبي).
ذهب الى المدرسة الابتدائية عام 1903، وفى طفولته شهد القرية وهي تستقبل دعاةً ثوريين، يُحرضون ضد الاقطاع والحكم القيصري، ويتحدثون عن ”لينين“ و”الحزب البلشفي“ الذي يسعى الى تحرير الكادحين من نير الاقطاع والرأسمالية والاستبداد القيصري.
يُعتبر ”جيورجى جوكوف“ الأب الروحي للنصر السوفيتي في ”الحرب الوطنية العظمى“، وهو ـ باعتراف كبار قادة الحرب ـ أحد أعظم وأكفأ قادة الحرب الروس والسوفييت في القرن العشرين، إن لم يكن أعظمهم على الاطلاق، ويكفيه فخراً أنه القائد العسكري الوحيد الذي لم يحتو سجله هزيمةً واحدةً طوال خدمته الحربية الطويلة.
وقد تميز ”جوكوف“ بالشجاعة، وعُمق التفكير، وبموهبة فائقة في التخطيط والقيادة العملية والاستراتيجية، وهي موهبة بارزة أشاد بها قادة الحرب الغربيين، كـ ”مونتجُمري“ و”أيزنهاور“، وغيرهما.
لعب ”جوكوف“ دوراً رئيسياً في قيادة الجيش الأحمر السوفييتي، خلال وقائع الحرب العالمية الثانية، وساهم بالقسط الأوفر في تحرير الاتحاد السوفييتي وبقية الدول المحيطة من الاحتلال النازي، واستمر في تعقُّب جيش ”هتلر“ حتى سقطت برلين وتم رفع العلم الأحمر في سمائها.
حارب ”جوكوف“ في الجيش السوفييتي وبين قادته خلال معارك الحرب العالميتين الأولى والثانية، وشارك في معركة موسكو، والحرب الأهلية الروسية، ومعركة (خالخين جول) والعملية ”مريخ“، وهجوم ”فيستولا“ الأول، والهجوم السوفييتي على ”بيسارابيا“، و”بوكوفينا“ الشمالية، والحرب السوفيتية اليابانية.
وكان ”جوكوف“ قد جُنِّدَ عام 1905، وتم ترحيله إلى الجبهة، ويكتب في مذكراته: ”وحلَّ دوري. لم أكن أشعر بحماسٍ خاصٍ للحرب، لكنني كنت أؤمن بأنني إذا جُنّدت لابد أن أُقاتل بشرفٍ في سبيل روسيا “ (ص: 14). وقد لمس ـ من خلال (التجربة في الجيش القيصري، انعدام الوحدة والتلاحم بين الجنود وكبار الضباط، فضلاً عن الجهل المتفشي بين أغلب الجنرالات وكبار الضباط بالتكتيك إدارة العمليات، وهي ملاحظات ثاقبة، ساعدته في مستقبله العسكري حينما تولى مواقع القيادة.
وانضم جوكوف الى وحدات الجيش الأحمر في اغسطس 1918، وهو الجيش الذي كان حسب رأى ”جوكوف“: ”أساس القوات المسلحة السوفيتية“.
وخلال الحرب العالمية الأولى، خدم ”جوكوف“ في فوج الفرسان الاحتياطي بالجيش الامبراطوري الروسي، وحاز وسام ”سانت جورج“ وترقية استثنائية تقديراً لشجاعته، وانضم الى الحزب البلشفي عند اندلاع الثورة، وشارك في مواجهة التمردات المضادة خلال الحرب الأهلية الروسية (18-1921)، وحصل على وسام ”الراية الحمراء“ عام 1921.
تمرَّس ”جوكوف“ في مواقعة العسكرية بسلاح الفرسان حتى أصبح في عام 1938 قائداً للمنطقة العسكرية البيلاروسية للفرسان، وقد تطور هذا السلاح تطور بإلحاق الدبابات والمُعدات المتحركة به، وفي عام 1938 تولّى “جوكوف” قيادة الجيش المنغولي الأول، وشن حملة عسكرية ضد جيش ”كوانتونج“ الياباني على الحدود المنغولية ـ اليابانية (1939)، وانتصر على اليابانيين في معركة ”خالخين جول“ الحاسمة التي اعتبرها ”جوكوف“: ”مدرسة قيِّمة للخبرة القتالية“، وحيث أبلت إدارة ”جوكوف“ للمعركة بلاءً حسناً، ومزّقَ فيها شمل القوات اليابانية وألحق بها هزيمةً نكراء، الأمر الذى أدى إلى استسلام القوات اليابانية. وقد كان لهذه المعركة أهمية كبرى حيث اختُبر فيها كفاءة وقدرات وتكتيكات الجيش السوفييتي، وعقب هذه المعركة التقى ”جوكوف“، للمرة الأولى، بالقائد الأعلى ”جوزيف ستالين“، ويصف ”جوكوف“ انطباعاته عن هذا اللقاء، قائلاً: “كنت في غاية الانفعال بالمظهر الخارجي لستالين، وبصوته الخافت، ودقّته، وعُمق تفكيره، وإلمامه بالقضايا العسكرية، واهتمامه الشديد بالإصغاء الى تقديري ـ ص: 49”.
وقد كُوفئ ”جوكوف“، اعترافا بدون في تحقيق النصر، بوسام الاتحاد السوفييتي، ورُقِّىَ عام 1940 إلى مرتبة الجنرال، وكُلِّفَ بقيادة منطقة كييف العسكرية، ثم تولى مسؤولية رئاسة ”الأركان العامة للجيش الأحمر“ في السنة التالية (1941)، خلفاً للجنرال، ”ميتسكوف“.
لعب الجنرال ”جوكوف“ دوراً كبيراً في تهيئة وإعداد الجيش السوفييتي لمواجهة الهجوم الألماني على روسيا، التي كانت بوادره قد لاحت أمام المراقبين، وحين بدأ الهجوم عُيِّنَ ”جوكوف“ قائداً لجبهة الاحتياط في كييف (سبتمبر عام 1941)، ثم أصبح قائداً لجبهة ليننجراد، مُمثلاً للقيادة العُليا في الجبهة الغربية، ثم قائداً لنفس الجبهة. ورغم كل جهود الاتحاد السوفييتي لتكوين حلف قوي مع بريطانيا وفرنسا ضد الفاشية، إلّا أن الدولتين رفضتا هذا التوجُّه الصحيح، و”كان هدفهما ألا يُقيدا أيدي ”هتلر“ في عدوانه على الاتحاد السوفييتي“، كما شرح ”ستالين“ الأمر لـ ”جوكوف“.
ويذكر التاريخ حصافة وصحة تقديرات “جوكوف”، حينما أدرك انشغال اليابانيين في الحرب ضد الولايات المتحدة، فاتخذ قراراً شُجاعاً بسحب القوات السوفيتية المتمرسة في ”سيبيريا“، وتوجيهها للدفاع عن موسكو؛ وقد عَدَّ الخبراء الاستراتيجيون هذا التصرف أحد أهم العوامل التي ساهمت في صد الألمان، ودحرهم في ”معركة موسكو“، وبعدها قاد ”جوكوف“ مواجهةً ضخمةً للجيش الألماني في ”معركة رجيف“ تكبَّدَ فيها الألمان خسائر فادحة (بلغت نحو 330 ألف جندي).
وقد أكسب العمل في الجيش الأحمر ”جوكوف“ خبرهً واسعةً، ويقول ”جوكوف“ أنه: ”من واقع التجربة العسكرية الطويلة والاستنتاجات المتعلقة بمصير الحرب الأهلية، والتي تم على هديها بناء القوات المسلحة السوفيتية، استخلص الاستنتاجات التالية للعناصر التي قادت للانتصار.

1ـ وحدة الجيش والشعب “التي ولَّدت قوةً جبّارةً تفوق بكثير قوة السلاح”.
2ـ “الدور القيادي للحزب”؛ الأمر الذي مكَّن من حشد كافة القوى وموارد الاقتصاد الوطني لخدمة المعركة.
3ـ المركزية المُطلقة ووحدانية القيادة، والانضباط الحديدي: “لأن عدم توحيد القيادة في المجال العسكري، كما يقول “لينين” يؤدي حتماً، وفي كل موقعٍ، الى الكارثة والفوضى والتمرد وتعدُّد السلطات والهزيمة”.

ويذكر الجنرال “جوكوف” أن: “التجارب والمبادئ العسكرية التي استُخلصت من نيران الحرب الأهلية، قد تطورت في الثلاثينات والأربعينيات، لتُصبح جزءً لا يتجزأ من جبروت هذا الجيش الذي سحق الفاشية في الحرب الوطنية العظمى” (الحرب العالمية الثانية).

وقام “جوكوف”، بالتعاون مع المارشال “سلفيسكي”، بالتخطيط للهجوم المُضاد، الذي طوَّقَ الجيش السادس الألماني وأجبره على الاستسلام، وعُيِّنَ “جوكوف”، بعد هذه المعركة، نائباً للقائد العام، “جوزيف ستالين”، ووُجِّه إلى “ستالينجراد” لتولي مسؤولية الدفاع عنها. ويحكي “جوكوف”، في مذكراته، وقائع هذه المعارك وتطوراتها، ومن أهمها ” العملية الحربية الكبرى، التي عُرفت بـ “عملية المريخ ” في جبهة كاليننجراد، والتي أسفرت عن خسارة الألمان لـ 40 ألف جندي.

وفي يناير 1943، شارك “جوكوف” في عملية كبيرة لفك الحصار عن مدينة “ليننجراد”، وبعدها انتقل الى جبهة “البلطيق”، لشن عملية (الشرارة ـ أيسكرا)، التي فقد فيها الجيش الألماني جانباً ضخماً من قدراته البحرية، كما نَظَّمَ وأدار معركة “كورسك”، والتي انتهت بخسارة الجيش الألماني لنحو 15% من قواته العسكرية، وفي فبراير 1944 نسَّقَ “جوكوف” العمليات العسكرية على الجبهات البيلاروسية الثلاث، بهدف الإعداد لتحرير بلغاريا، ثم أصبح قائد الجبهة البيلاروسية، وشارك في “معركة برلين”، حيث دخلها مُظفّراً مع رفاقه من قادة الجيش السوفييتي، وليشهدوا اللحظة التاريخية العظيمة، التي سجّلت مراسيم توقيع وثيقة استسلام ألمانيا وهزيمة الفاشية. وقد سجّلَ “جوكوف” تاريخ هذه المعارك البطولية العظمى، وأرَّخ لوقائعها، في مُذكراته التي نشرها عام 1969، تحت عنوان: “الذكريات والتأملات”.

الحرب الوطنية العظمى

يحتل التأريخ للحرب الوطنية العظمى، مفخرة الشعوب السوفيتية والشعب الروسي، مكان الصدارة في مذكرات المارشال “جوكوف”، وقد خصّصَ جانباً كبيراً من صفحاتها لمعالجة ظروفها وتطوراتها، وأوضاع القوات المسلحة خلال فصولها، وحال هيئة الأركان وظروف قيادتها قبل الحرب، ذاكراً بالتفصيل مقومات وأعداد الاسلحة والتجهيزات الحربية (مدافع – دبابات – طائرات ……إلخ).

ويرصد المارشال “جوكوف”، أن تجهيزات الجيش السوفييتي كانت، بشكلٍ عامٍ، أقل ـ من حيث الكفاءة ـ من قدرات الجيش الألماني، فعلى سبيل المثال يذكر أن “صناعة الطائرات (السوفيتية) كانت متخلِّفة عن احتياجات المرحلة، ويمكن القول بأن 75 ـ 80% من القوات الجوية السوفيتية كانت من النماذج العتيقة التي تتخلف كثيراً عن الطراز الموحد الموجود لدى ألمانيا الفاشية”، وهذا التقدير كان ينطبق على الدبابات، وسلاح الإشارة، والسكك الحديدية، وقد وُضعت مشروعات لتلافي هذا القصور، غير أن الحرب لم تترك مجالاً لتحقيق هذه المخططات، واقتضى الأمر أن تُبذل جهود جبّارة، في حمأة الحرب، لتجاوز هذا الوضع الحرج، ولتعويض الفارق الملحوظ بين مستويات التسليح وحالة المعدات وأدوات القتال، باستعداد السوفييت والروس البطولي للتضحية والفداء، واستيعاب علوم وفنون الحرب، وكما عبَّرَ “ستالين” فإنه: “في الحرب ليس التفوق الحسابيّ هو العنصر المُهم الوحيد، فبراعة القادة والقوات ليست أقل أهمية”، وكذلك فقد ثمَّنَ “اتقان الفن العسكري والقدرة على إيجاد الحلول الصحيحة في كافة الظروف”
حاول “ستالين” جاهداً ـ كما يذكر “جوكوف” ـ تفادي الحرب، لأنه: ” كان يفهم جيداً ماهي الكوارث القاسية التي يمكن أن تلحق بشعوب الاتحاد السوفييتي اذا وقعت الحرب مع عدد قوى ومحنك مثل ألمانيا الفاشية”. وقد أكدَّ “ستالين” في خطاب الاحتفال بتخريج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية، يوم 5 مايو 1941: “صحيح أن ألمانيا لديها أفضل جيش من ناحية التكتيك ومن ناحية التنظيم، ولكن الألمان واهمون في تصورهم أن جيشهم جيش مثالي، وأنه لا يُقهر. ليست هناك جيوش لا تُقهر. إن ألمانيا لن يُكتب لها النصر تحت شعارات حروب الغزو والاغتصاب، تحت شعار إذلال الشعوب واخضاع الدول والحكومات، ولابد علينا من إعادة تنظيم دعايتنا وصحافتنا وسياستنا الإعلامية. الاستعداد للحرب جيداً لا يعني وحسب بناء الجيش عصري، إنما يعنى كذلك التعبئة السياسية”.
كانت أجراس الحرب العالمية الثانية، أو “الحرب الوطنية العظمى ” تدق مُعلنةً لحظة الهول العظيم.
بدأت الحرب في فجر يوم 22 يونيو1941 بهجوم من الجو على أسطول البحر الأسود، وبإغارات بالطائرات الألمانية على مدن “بيلاروسيا”، وهجوم جوي مُرَكَّز على مدن “أوكرانيا”، ثم بدأ الهجوم البري في منطقة “البلطيق” العسكرية. لقد أعلنت ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفييتي، كما أفصح السفير الألماني في مواجهة مولوتوف.
ورغم أنه قد تم إيقاف زحف العدو في اتجاه مدينة “كييف” عاصمة “أوكرانيا”، فإن المارشال “جوكوف” يعترف بالارتباك والتراجع والخسائر التي مُنىَّ بها الجيش السوفييتي في بداية المعارك، حيث اخترقت الجحافل الألمانية دفاعات “بيلاروسيا” و”البلطيق”.

كان العدو يهاجم بكل قواه “وكانت الضربة القوية للقوات البريّة والجوّية الألمانية على جبهتنا الاستراتيجية الغربية ـ يقول “جوكوف” ـ تنطلق كالسهم في اتجاه موسكو “، إلاّ ان استبسال الجنود السوفييت أعاق استمرارا التقدُّم الألماني، مثلما حدث في ملحمة قلعة “برست” حيث لم يتمكن العدو من القضاء على مقاومة الأبطال المُحاصرين فيها، مما أرغم القوات الألمانية على الدوران حول المدينة الصامدة التي كانت ملحمتها البطولية مفاجأة لقوات “جو دريان” المُدَرَّعة والجيش الالماني الرابع”.

لكن التفوّق الالماني في المُعدات والتجهيزات كان عاملاً حاسماً في ميل ميزان القوى الألمانية ـ السوفيتية لصالح العدو، الذي كان قد توغَّل إلى عمق 500 الى 600 كيلومتر، واستولى على مناطق اقتصادية ومواقع استراتيجية بالغة الأهمية.

وقد لعب الحزب الشيوعي دوراً كبيراً في تعبئة قوى الشعب للمعركة ولتجاوز الوضع الخطر، وبدأ تنفيذ خطط إعادة تنظيم الصناعة والمواصلات وتوزيع الموارد البشرية، وتهيئة الزراعة لخدمة المجهود الحربي، وتحولت المصانع التي كانت تنتج السلع الاستهلاكية إلى إنتاج المُعدّات الحربية والذخيرة. “لقد تمكن حزبنا باقتدار ـ كما يُلخِّصُ المارشال “جوكوف” الوضع ـ من تحويل البلاد كلها إلى معسكرٍ حربي”. وقد كان لهذا الأمر أثراً بالغاً على تعديل موازين القوى تدريجياً لصالح الجيش السوفييتي، مدعوماً بصمود أسطوري من الجيش وأبناء الشعب والقيادة.

واستطاعت إرادة الجيش السوفييتي ان تحقق أهداف الدفاع الاستراتيجي:
• ايقاف تقدم القوات الفاشيّة.
• تكبيد العدو أقصى خسائر ممكنة وانهاكه واستنزاف دمه وقدراته.
• تأمين إجراءات تهجير المدنيين والمنشآت الصناعية إلى أعماق البلاد.
• إعادة تنظيم الصناعة طبقاً لمتطلبات الحرب.
• الوصول إلى الحد الأقصى من القوّة لشن الهجوم، بهدف تصفية المُخطط العسكري للحرب على وجه العموم.

” في لهيب النيران كانت تتبدد الثروة الوطنية وعمل الشعب السوفييت طوال سنوات عديدة”، هكذا يتحدث “جوكوف” وهو يصف منظر الحرائق التي اشتعلت في شتى الأرجاء بسبب الهجوم الألماني. “سألت نفسي: وبماذا ينبغي أن يردَّ الشعب السوفييتي على العدو الذي يبذر الدمار في طريقه الدموي؟ لم يُسجل في خاطري غير رد واحد: بالسيف وحده لابد من إبادة العدو الشرير”. هكذا يلخص المارشال جوكوف ملحمة الصمود الأسطوري للشعوب السوفيتية والشعب الروسي في مواجهة الهجمة الألمانية الهمجيّة، وكان الجيش السوفييتي يتلقى الضربات بصمود وكبرياء، ويتقدم رغم الجراح والخسائر خطوةً في إثر خطوة، مُلحقا هزائمَ متتاليةً بقوات النازي، في “ستالينجراد” و”لينينجراد” وعلى كافة الجبهات ومسارح القتال.

هدَّدَ العدو الألماني العاصمة السوفييتية، موسكو، في أُكتوبر 1941، واحتل الفاشيين قرية “جوكوف” وأشعلوا فيها النيران حينما أُجبروا على الانسحاب منها، وعُيِّنَ “جوكوف” قائداً للجبهة الغربية، واستعرت المعارك في أنحاء البلاد، ووجّه المجلس العسكري للجبهة الغربية نداءً إلى القوات، جاء فيه ” أيها الرفاق: إن حياةَ كل منّا هي ملك الوطن، إن الوطن يتطلب من كل فرد منا أقصى ما يقدر عليه من صلابة، رجولة، وبطولة. إن الوطن يُنادينا لأن نقف سداً منيعاً في طريق الفاشيست إلى موسكو”، وقد قاوم الجيش، وقاومت جموع المواطنين، ببسالةٍ عزَّ نظيرها، الفاشيين حتى خارت عزيمة القوات الألمانية، وانتابها الشك في قدراتها على الاستيلاء على موسكو.

كانت القيادة، الألمانية كما يذكر المارشال “جوكوف”: ” قد أعدت جنودها لنزهةٍ سريعةٍ تستغرق أسابيع أو شهوراً في روسيا”، لكنها فوجئت بمقاومة وصلابة غير مسبوقين، هدّت قواها واستنزفت قدراتها، ويؤكد: “لا. ليس المطر أو الثلج ـ كما زعمت ابواق الإمبريالية ـ هو الذي أوقف القوات الفاشيّة على مشارف موسكو. فالمليون جندي ألماني، قد تحطّموا على صخرة الدفاع الصلب الرجولي، البطولي، للقوات السوفيتيّة التي كان الشعب والوطن والعاصمة يشدون أزرها.
لقد كان تدمير القوات العسكرية على أعتاب موسكو نقطة تحول استراتيجي في مسار الحرب الوطنية العظمى، لكنَّ القوات الألمانية ردّت بعنف لتعويض هزائمها بالهجوم على “شبه الجزيرة القرم” احتلالها كاملةً، واتجهت لحسم معركة “ستالينجراد” ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية الكُبرى، ذلك أنه “بسقوط “ستالينجراد” تتمكن قيادة العدو من عزل جنوب البلاد عن وسطها، وإذا فقدنا “الفولجا”، فإننا نفقد بذلك أهم طريق مائي للمواصلات نتلقى بواسطتها إمدادات ضخمة من القوقاز”.

عُيِّنَ “جوكوف” مُساعداً للقائد الأعلى، وكانت المعركة قد احتدمت في شوارع وبيوت “ستالينجراد”. منعت المقاومة الأسطورية استيلاء الألمان على “ستالينجراد”، واستمرت الملحمة البطولية لمدة ثلاثة شهور متواصلة، وكانت شعوب العالم كله تتابع هذه المعركة بأنفاسٍ لاهثة. يقول جوكوف: ” لقد كانت معركة “ستالينجراد” مدرسة عُظمى لتدريب قواتنا على انتزاع النصر”، لقد هُزم النازيون وتكبَّدوا خسائر فادحة سلبتها قدرتها الهجومية، ونشرت ألمانيا 6.2 مليون جندي، وأكثر من 70 ألف مدفع ميدان وماكينة، و6600 دبابة، و3500 طائرة، 194 سفينة حربية على الجبهة الألمانية السوفيتية، لكنها فشلت في تحطيم إرادة السوفييت، أو إجبارهم على الانحناء.

ورفض الفاشيست العرض السوفييتي بالاستسلام “حرصا على عدم اراقة الدماء”، فأُجبروا على التراجع المُهين: ” كنا مضطرين ـ كما يقول ضابط المخابرات الالماني “أ. فيدير” ـ إلى بدء الانسحاب على امتداد الجبهة كلها … إلّا أن الانسحاب تحوّل إلى فرار! كان طريقنا مفروشاً بالجثث التي غطتها العاصفة الثلجية وكأنها تُشفق بنا. كنا ننسحب بلا أي أوامر. وفي السباق مع الموت الذي كان يلحق بنا دون عناء، مُنتزعاً من صفوفنا حِزماً من الضحايا، أخذ الجيش ينزوي في بقعةٍ صغيرة”.

وتتالت هزائم القوات الفاشيّة ـ كما يشرح المارشال “جوكوف” ـ مناطق “كورسك” و”أرويول” و”خاركوف”، ثم انتقل الجيش السوفييتي إلى معارك تحرير “أوكرانيا”. كان ميزان القوى يتحول بالتدريج لصالح الجيش السوفييتي، يدعمه صمود أسطوري للملايين من المواطنين الذي تحمّلوا ما لا يتحمله بشر في سبيل تحرير وطنهم، ومع نهايات عام 1943 كانت القوات السوفييتية قد استطاعت تحرير أكثر من نصف الأراضي التي استولى عليها العدو في عامي 1941ـ1942.
كان تقدير أعضاء مجلس الدفاع الوطني، ومن بينهم “جوكوف”، ” أننا قد حققنا انتصارات باهرة، وأن العدو قد مُنِّىَ بهزائمَ مريرةٍ لكنه مع ذلك كان لايزال قوياً، ولقد استطاع العدو في عام 1944 دخول معارك دفاعية قوية نظراً لعدم وجود جبهة ثانية في أوروبا”.

الهجوم الشتوي الشامل

وبعد دراسة شاملة وعميقة للموقف، قرَّرت القيادة العُليا شن هجوم شتوي شامل على العدو في “ليننجراد” وحتى “القرم”. وفي 8 فبراير 1944 قدّمت القوات السوفيتية إلى القوّات الألمانية إنذاراً بالتسليم، لكنَّ قيادة القوات الألمانية المُحَاصرة رفضت الإنذار.
وفي 17 فبراير تمت تصفية قوّات العدو بعد معركة في غاية العُنف، وأسرت قوات الجبهة الأوكرانية الثانية 17 ألف جندي ألماني. وبالانتصار في هذه المعركة تهيأت الظروف لتحرير “أوكرانيا الشرقية” بأسرها، كما تم تحرير “بولندا”، و”بلغاريا” التي استقبلت الجيش الأحمر بالموسيقى والورود.

في الطريق الى برلين: مُحررين لا غُزاة

هُزمت النازية في “فرنسا” و”بلجيكا” وجزء من “هولندا”، واقتربت قوات الحلفاء من حدود “ألمانيا” النازيّة قرب “خط زيجفريد”.
وكلَّفَ القائد العام “ستالين” المارشال “جوكوف” بالتوجُّه الى قيادة الجبهة البيلاروسية التي كانت تشق طريقها باتجاه برلين. ” وكانت ألمانيا الفاشيّة تستجمع في يأسٍ آخر قواها، محاولة التغلُّب على الهزيمة المُحقّقة” كما وصف “جوكوف” الوضع.
لقد تصرَّف ضُباط وجنود الجيش السوفيتي بسموٍ أخلاقي يليق بأصحاب القضايا الكبرى، وقام التنظيم السياسي الحزبي بعملٍ كبيرٍ ” ليشرح للمقاتلين ما ينبغي أن يكون عليه سلوكهم في خارج بلادنا، حيث أننا لم ندخل هذه البلاد كغزاه بل كمحررين من الاحتلال المعادي”.

استولى الحلفاء على “الراين” دون مقاومة تُذكر، أولاً: لتفوقهم الجوي الساحق على القوات الألمانية المُستنزفة، وثانياً: لأن القوات النازيّة ركّزت مُعظم طاقتها الحربيّة باتجاه الشرق على خط المواجهة مع الجيش الأحمر، وحشدت القيادة الألمانية أكثر من 400 ألف جندي للدفاع عن المدينة / الرمز …. ثم بدأ ” الانقضاض التاريخي على عاصمة ألمانيا الفاشيّة”. ويكتب المارشال “جوكوف” في الساعة الرابعة يوم أول مايو (1945) اتصل بي الجنرال “تشوكوف” وأبلغني أن رئيس أركان حرب القوات البريّة الألمانية، الجنرال “كربيس”، قد جاء إلى قيادته وطلب التفاوض من أجل الصلح”، وأن “كربيس” أفاده بأن “هتلر” قد انتحر في الساعة 15.50 يوم 30 أبريل، وأنه، “كربيس”، يحمل رسالة من “جوبلز” جاء بها: “بناءً على وصية “الفوهرر” الراحل، فوض الجنرال “كربيس” في إبلاغ زعيم الشعب السوفييتي بأن “الفوهور” قد فارق الحياة بإرادته في الساعة 15.50 يوم 30 أبريل؛ وقد كلفت “بورمان” بالاتصال بزعيم الشعب السوفيتي، وهذا الاتصال ضروري للمفاوضات السلميّة بين الدول التي تكبدت أكبر الخسائر”. وكانت وصية هتلر مرفقة بخطاب “جوبلز”. توقيع “جوبلز “.
وحينما علم “ستالين” بانتحار عدوه اللدود علَّقَ قائلا ” خسر الوغد اللعبة … المؤسف أننا لم نأخذه حياً”.

الإنسان: أولا وأخيراً
استسلمت برلين دون قيد أو شرط، وانتصرت إرادة الحياة على نوازع الموت والخراب.
وفي ختام مُذكراته يقول المارشال “جوكوف”: “إن الحرب الوطنية العظمى كانت اصطداماً عسكرياً مُروعاً بين الاشتراكية والفاشيّة، ومعركةً شعبيةً عامةً ضد عدو طبقي شرير اعتدى على أقدس مُقدسات الشعب السوفييتي وهي منجزات ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى”.
” إن الحرب ليست مُخيفة إذا أُحسن الاستعداد لها، وإذا كان كل فرد أثناءها يعلم دوره في الدفاع عن بلاده، ويتناول التقدم العلمي الحديث وما أدخله ذلك على فن القتال من أساليب جديدة في التسليح والتنظيم العسكري”.

” وترتفع الآن بعض الأصوات زاعمةً ” أنه قد أقبل عصر الأزرار”، حيث يلعب الإنسان فيها دوراً ثانوياً. ذلك رأيٌ خاطئ. برغم كل أهمية الأسلحة الذريّ والصاروخيّة يبقى الانسان أبداً صاحب الدور الرئيسي؛ فالحرب، مهما كانت مقاييسها وأساليبها وطبيعتها لابد أن تحتاج إلى الجماهير الشعبيّة، إما للاشتراك المُباشر في النضال المسلَّح، وإما للإنتاج الحربي الذي لا غنى عنه للنضال المسلّح”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*