الأمام البخاري
الأمام البخاري

”ايه يا عم هو احنا غلطنا في البخاري!“.. تعرف من هو البخاري في سطور

بقلم: عمرو عيسى

يسمع العديد من الأشخاص عن البخاري ولكن من منا يعرف اسمه بالكامل؟ ومتى ولد ومتى توفاه الله؟ وكيف نشأ؟ وماذا قدم لهذه الأمة؟ وما هى مؤلفاته؟ وما هى محنته؟ وكثير من الأسئلة التي لم تخطر في بال الكثير منا التطرق والإجابة عليها فتعالوا معي أحبائي لكى أقص عليكم من هو ”البخارى“ بإختصار فى سطور لن تستغرق من وقتك سوى بعض الدقائق ولكن ربما تؤثر فى حياتك كلها لكى تتعرف على تاريخ ومجد أجدادك الذين حموا ودافعوا عن سنة العدنان صلى الله عليه وسلم، حتى ترد عنهم إذا جاء بعض المتقدمين ليطعنوا فيهم وفى إسلامهم وفى جهدهم الذى شهد لهم به القاصى والدانى ولكن مهما خفت وصمت صوت الحق فى بعض الأحيان فإنه أبلج، ومهما ظهر وعلا صوت الباطل فى بعض الأحيان فإنه لجلج.

تعرف على الإمام البخارى فى سطور

نسبه ونشأته

اسمه محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي، أبو عبد الله بن أبي الحسن البخاري، وهو من مدينة بُخارى، وهي منطقة من مناطق دولة أوزباكستان في الوقت الحالي أحد جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق (خراسان سابقاً). وكتابه ”صحيح الجامع“ الذى أجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه.
ولد البخاري رحمه الله في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ومات أبوه وهو صغير فنشأ في حجر أمه فألهمه الله حفظ الحديث وهو في الكتّاب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة.
وقد كان أصيب بصره وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال يا هذه قد رد الله على ولدك بصرة بكثرة دعائك أو قال بكائك فأصبح وهو بصير.

وتكمن قوة الحفظ لدى البخارى بسبب تلك الحادثة، فالمعلوم طبيا أن هناك خاصية عجيبة خلقها الله فى جسم الإنسان إذا فقد حاسة من حواسه ”التعويض الوظيفى“، فإن قوة الحواس الأخرى تزداد بشكل يعمل على سد الثغرة الحسية التى نتجت عن فقده لتلك الحاسة وهذا ما يفسر قوة السمع والحفظ للطفل الأعمى، أما فى حالة البخارى فقد اكتسب دماغه أثناء فترة العمى لتلك الخاصية الإستثنائية على ما يبدو، وعندما رد الله عليه بصره، فصار البخارى يجمع بين ذاكرة الأعمى، ونظر البصير فأصبح إنسانا إستثنائيا.
من صفاته أنه كان مقبلا على العلم وعرف بورعه ودينه، فقام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة فأقام بمكة يطلب بها الحديث ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها وكتب عن أكثر من ألف شيخ، وممن روى عنه مسلم في غير الصحيح وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه وروى عنه الترمذي في جامعه والنسائي في سننه وقد دخل بغداد ثمان مرات وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل فيحثه أحمد على المقام ببغداد ويلومه على الإقامة بخراسان.

وكان جادا فى تحصيل العلم، فقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطرة ثم يطفىء سراجه ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة، وقد اشتهر بقوة حفظه، قال البخاري فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت لي مصنفات نحوا من مائتي ألف حديث مسندة وكان يحفظها كلها، وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة والأخبار عنه في ذلك كثيرة، وقد ألهم البخارى حفظ الحديث وهو في الكتّاب وكان سنه عشر سنين.

ولما بلغ البخاري ست عشرة سنة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع. وقال محمد بن أبي حاتم الوراق سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله البخاري يذهب معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب ولا يمسك بيده ورقة ولا قلم، حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تذهب معنا ولا تكتب، ولماذا تخالط مجالس الكبار ولاتكتب وتتعلم مثلهم؟ فرد علينا بعد ستة عشر يوما إنكما قد أكثرتما على وألححتما فاعرضا على ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا من التدوين فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نُحكم ما كتبناه من حفظه ثم قال أترون أني لا أضيع وقتى وأيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد، وكان يقول محمد بن إسماعيل البخارى أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.

ومن تلك الأخبار ايضا الدالة على قوة حفظه، أنه دخل ذات مرة إلى ”سمرقند“ فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها فركّبوا أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وخلطوا الرجال في الأسانيد وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها ثم قرؤوها على البخاري فرد كل حديث إلى إسناده وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها  ولم يقدروا أن يعلفوا عليه سقطة في إسناد ولا متن فلقبوه بـ ”الكبش النطّاح“ أمير المؤمنين فى الحديث.
وقد اشتهر بكرمه فكان يتصدق بالكثير يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد وكان لا يفارقه كيسه، واشتهر أيضا بورعه قال محمد بن إسماعيل البخاري ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
من أشهر كلماته :-
”لا أعلم شيئا يُحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة“.
”ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته إلا ما لم يظهر لي“.
”ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه“.
مؤلفاته:
*الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسننه وأيامه، المعروف بـ الجامع الصحيح
*الأدب المفرد: وطُبع في الهند والأستانة والقاهرة طبعات متعددة
*التاريخ الكبير: وهو كتاب كبير في التراجم، رتب فيه أسماء رواة الحديث على حروف المعجم، وقد طبع في الهند سنة (1362هـ = 1943م).
*التاريخ الصغير: وهو تاريخ مختصر للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ومن جاء بعدهم من الرواة إلى سنة (256هـ = 870م)، وطبع الكتاب لأول مرة بالهند سنة (1325هـ = 1907م)
*خلق أفعال العباد: وطبع بالهند سنة 1306هـ = 1888م
*رفع اليدين في الصلاة: وطبع في الهند لأول مرة سنة (1256هـ = 1840م) مع ترجمة له بالأوردية
*الكُنى: وطبع بالهند سنة (1360هـ = 1941م
*وله كتب مخطوطة لم تُطبع بعد، مثل: التاريخ الأوسط، والتفسير الكبير.
نبذة مختصرة عن كتابه ”صحيح البخاري”
هو أشهر كتب البخاري، بل هو أشهر كتب الحديث النبوي قاطبًة. بذل فيه صاحبه جهدًا خارقًا، وانتقل في تأليفه وجمعه وترتيبه وتبويبه ستة عشر عامًا، هي مدة رحلته الشاقة في طلب الحديث.

ويذكر البخاري السبب الذي جعله ينهض إلى هذا العمل، فيقول: كنت عند إسحاق ابن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع ”الجامع الصحيح“.
وعدد أحاديث الكتاب 7275 حديثًا، اختارها من بين ستمائة ألف حديث كانت تحت يديه؛ لأنه كان مدقِّقًا في قبول الرواية، واشترط شروطًا خاصة في رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرًا لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، أي أنه اشترط الرؤية والسماع معًا، هذا إلى جانب الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع.
وابتدأ البخاري تأليف كتابه في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولم يتعجل إخراجه للناس بعد أن فرغ منه، ولكن عاود النظر فيه مرة بعد أخرى، وتعهده بالمراجعة والتنقيح؛ ولذلك صنفه ثلاث مرات حتى خرج على الصورة التي عليها الآن.
وقد استحسن شيوخ البخاري وأقرانه من المحدِّثين كتابه، بعد أن عرضه عليهم، وكان منهم جهابذة الحديث، مثل: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ فشهدوا له بصحة ما فيه من الحديث، ثم تلقته الأمة بعدهم بالقبول باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.

محنة البخاري ووفاته :-

بدأت فصول محنة البخاري عندما توجه إلى مدينة نيسابور وهي من المدن الكبيرة في خراسان، فلما وصل إليها خرج إليه أهلها عن بُكرة أبيهم، فلقد استقبله أربعة آلاف رجل ركبانًا على الخيل سوى من ركب بغلاً أو حمارًا، وسوى الرجال، وخرج الولاة والعلماء كافة لاستقباله قبل أن يدخل المدينة بمرحلتين أو ثلاثة [قرابة المائة كيلو متر مربع] وبالغوا في إكرامه بصورة لم تكن لأحد قبله ولا حتى بعده.

ومن روعة الإستقبال وعظيم التقدير والإحترام الذي وجده البخاري بنيسابور قرر المقام فيها لفترة طويلة واتخذ فيها دارًا، وأخذ علماء نيسابور في حض طلبة العلم على السماع من البخاري، وكان رأس علماء نيسابور وقتها الإمام ”محمد بن يحيى الذهلي“، وكان رأسًا متبوعًا مطاعًا ليس في نيسابور وحدها بل في خراسان كلها، الناس يطيعونه أكثر من طاعتهم للخليفة والوالي، وكان الذهلي ممن حض الناس على الجلوس للبخاري وحضور مجالسه ودروسه فى بداية الأمر، وكان ممن استفاد كثيرًا من البخاري، حتى أنه كان يمشي خلف البخاري في الجنائز يسأله عن الأسامي والكُنى والعلل والبخاري يمر فيه مثل السهم.

ومع استقرار البخاري في نيسابور أخذت مجالس التحديث تخلو شيئًا فشيئًا من طلاب الحديث لصالح مجلس البخاري، حتى ظهر الخلل في مجلس كبير علماء نيسابور محمد بن يحيى الذهلي نفسه، عندها تحركت النوازع البشرية المركوزة في قلوب الأقران، فدب الحسد في قلب الذهلي وتسللت الغيرة المذمومة إلى نفسه شيئًا فشيئًا، حتى وصل الأمر به لأن يخوض في حق البخاري ويتكلم فيه ويرميه بتهمة غريبة البخاري بريء منها، فما هذه التهمة يا ترى والتي كانت سبب محنة البخاري؟.

هذه التهمة هي تهمة اللفظية، وهي تعني قول القائل: أن لفظي بالقرآن مخلوق، فقد قال لأصحاب الحديث إن البخاري يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق وكان أول من قال إن اللفظ بالقرآن مخلوق هو الفقيه الكرابيسي، فأنكر عليه الإمام أحمد بن حنبل بشدة واعتبره من قبيل البدع وسبيلاً للتجهم والاعتزال، وقال الإمام أحمد: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي،

وكان البخاري يؤكد في كل مكان أنه لم يقل إن لفظه بالقرآن مخلوق، فعندما سأله الحافظ أبو عمرو الخفاق عن هذه المسألة فقال له: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقوس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله.. لم أقله.. لم أقله.

بعد هذه الحادثة أخذ الذهلي في التشنيع على البخاري واتهمه بالتجهم، تمادى الذهلي في التشنيع والهجوم على البخاري ونادى عليه في الناس ومنع طلبة الحديث من الجلوس إليه، ظل الذهلي يزداد في هجومه على البخاري، ليصل لأعلى درجات الغلو والغيرة المذمومة والتشنيع، إذ قال: لا يساكنني هذا الرجل [يعني البخاري] في البلد، وأخذ الجهال والسفهاء يتعرضون للبخاري في الطريق يؤذونه بالقول والفعل.

وبذلك أستطاع ”الذهلى“ فى الوصول لغايته المحددة منذ البداية، ألا وهي إخراج البخاري من نيسابور حسدًا منه على مكانة البخاري العلمية، وحتى لا ينسحب بساط الرياسة العلمية منه لصالح البخاري. وبالفعل خرج البخاري من نيسابور واتجه إلى ”مرو“ من مدن خراسان ليواصل رحلته العلمية، فإذا بالذهلي يواصل هجومه الشرس على البخاري حتى بعد خروجه من نيسابور، حيث أخذ في الكتابة لسائر بلاد ومدن خراسان يحذرهم من البخاري وأنه يتبنى قول اللفظية، وقد أتت هذه الحملة أٌكلها، فكلما توجه البخاري إلى بلد في خراسان وجد الناس ثائرين عليه. حتى وصلت حدة الحملات التشويهية ضد البخاري لأن يقدُم رجلان من أكبر علماء الرجال في الحديث وهما أبو حاتم وأبو زرعة لأن يقولا: إن البخاري متروك .. متروك .. ولا يكتبان حديثه.

وقد حزن البخارى لذلك حزنا شديدا فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها ”خرتنك“ على فرسخين من سمرقند فنزل عند أقارب له بها وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين ولما جاء في الحديث (وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين )، ولقي الإمام ربه بعد هذه المحنة والنهاية المأسوية فكانت وفاته ليلة عيد الفطر وكان ليلة السبت عند صلاة العشاء وصلي عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة أعنى سنة ست وخمسين ومائتين وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة وفق ما أوصى به وحين ما دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من ريح المسك ثم دام ذلك أياما وكان عمره يوم مات ثنتين وستين سنة.

وهكذا نرى كيف كانت فصول محنة البخاري وهي كما قال الذهبي رحمه الله: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرًا من العصور سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين.

فمثل هذه المحن ما زالت قائمة وموجودة، بل هي الآن على أشدها، فكم من عالم وداعية خاض الحاسدون وعشاق التصنيف وأنصار الحزبية في حقه ورموه بكل قبيح ونسبوا إليه من هو منه براء لا لشيء إلا حسدًا من عند أنفسهم على حب الناس له والتفافهم حوله، وكم عالم وداعية راح ضحية هذه التشنيعات حتى ضاع ذكره وخبره تحت أمواج الوشايات والأباطيل التي ملأت الأسماع وأوغرت الصدور وشحنت النفوس، حتى أصبح مجرد ذكر اسم هذا العالم أو الداعية مدعاة للطعن والشك والريب والطرح.

انتظرونا فى مقالات جديدة نقلب فيها صفحات من تاريخ قديم وجديد ولكن عفا عليها الزمن وكاد أن ينساها الناس. لعلنا نقتبس من نورهم ونتعلم من علمهم وسيرهم وتاريخهم المشرف فتعلو هِمَمُنا لبناء عالمنا الجديد ونعود لنصبح فى مقدمة ركب رجالا وعلماء وقادة أحرار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*