presentation1

“روسيا والقوى الإقليمية (الصين – الهند – اليابان)”

قامت الباحثة كوثر مبارك باحثة ماجستير – كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة بعمل بحث في موضوع “روسيا والقوى الإقليمية (الصين – الهند – اليابان)”، وهو ضمن التقرير السنوي الروسي الأول عام 2020 من إصدارات “المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم” بالتعاون مع مركز “الحوار” للدراسات السياسية والإعلامية.
أشارت كوثر مبارك باحثة ماجستير – كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة، أن روسيا اتخذت بعد انتهاء الحرب الباردة نهج جديد في العلاقات مع القوى الآسيوية الإقليمية، حيث شغلت تلك القوى أهمية كبري في أولويات الاستراتيجية الروسية سياسيًا واقتصاديًا، وتصاعدت أهمية هذه القوى بالنسبة لروسيا مع الأزمات الأخيرة التي شهدتها البلاد والتي تتعلق بتباطؤ النمو الاقتصادي، انخفاض أسعار النفظ، والعقوبات التي فرضها الغرب على روسيا.
وتتبني روسيا استراتيجية في تعاملها مع القوى الإقليمية الأسيوية؛ تتلخص أهدافها فيما يلي:
-تحقيق الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الصين من أجل تعظيم المصالح المشتركة وضبط موازين القوى الإقليمية والدولية.
-تعظيم المرونة الاستراتيجية لروسيا، من خلال تعزيز علاقتها مع القوى الإقليمية الآسيوية المختلفة وخاصة (اليابان – الهند – كوريا-فيتنام).
-تعظيم الدور الروسي في بناء الأمن الإقليمي، وتفعيل دورها كلاعب أساسي في القضايا الإقليمية كما في نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، والترويج لروسيا كمساهم اقتصادي رئيس في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بما يتمتع به الاقتصاد الروسي من مزايا نسبية مثل قطاع الطاقة والأسلحة.
– إعادة نتشيط وتفعيل دور روسيا الإقليمي والدولي من خلال المشاركات الواسعة في المنظمات الإقليمية كما في (أبيك، قمة شرق آسيا، منظمة شنغهاي للتعاون، البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية).
وفي إطار سعى روسيا المتواصل ناحية أسيا، قامت بإنشاء المنتدى الاقتصادي الشرقي، بموجب مرسوم صادر عن رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين في عام 2015، لتدعم التنمية الاقتصادية للشرق الأقصى لروسيا وتوسيع التعاون الدولي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وحقق المنتدى منذ انطلاقه في عام 2015 حتى عام 2019 عدد من الإنجازات على المستوى الإقليمي ومنها؛ أنه تم إقرار أكثر من 40 مبادرة تشريعية لتدعيم النشاط الاستثماري وتحسين المجال الاجتماعي على المستوى الإقليمي؛ تم إنشاء 20 منطقة اقتصادية خاصة متقدمة و5 موانئ بدون رسوم، وأسفرت هذه التدابير عن أكثر من 1780 مشروعًا استثمارًا جديدًا بقيمة تتجاوز 3.8 تريليون روبل، و230 مشروعًا جديدًا.
ويدور البحث حول إشكالية رئيسية تتمثل في؛ كيف تؤثر العلاقات الثنائية بين روسيا والقوى الإقليمية (الصين – الهند – اليابان) على مستقبل الأمن الإقليمي للمنطقة؟
وفي ضوء تحركات روسيا نحو القوى الإقليمية (الصين –الهند – اليابان) في عام 2019م يسلط البحث الضوء على؛
• محددات العلاقات الثنائية بين روسيا والصين والهند واليابان.
• نقاط القوى ونقاط الضعف في العلاقات الثنائية بين روسيا والصين والهند واليابان (الوزن الترجيحي للمحددات).
• مستقبل الأمن الإقليمي بالمنطقة.

أولاً-العلاقات بين روسيا والصين … نبذة تاريخية
تجمع روسيا والصين علاقات تاريخية ممتدة، مرت بتحولات مختلفة ما بين الصراع والتعاون، فتعود العلاقات الروسية الصينية إلى العام 1640 حيث أقيمت العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين، ولكن هذه العلاقة لم تكن بالمثالية بسبب الخلافات على الحدود، ففي العام 1858 ضمت روسيا نهر أمور إلى منطقتها الجغرافية وهذا النهر هو الذي يرسم الحدود بين روسيا والصين ، ودخل البلدين في مرحلة من التعاون في عام 1949، وأقيمت علاقات دبلوماسية بين الاتحاد السوفياتي والصين، وبعد انتهاء الحرب البادرة وانهيار الاتحاد السوفياتي اتخذت العلاقات بين روسيا والصين أبعاد استراتيجية مختلفة تقوم على التعاون والتنمية .
محددات العلاقات الروسية الصينية خلال عام 2019
1- المحدد السياسي
يشهد عام 2019 ذكري مرور 50 عام على النزاع الحدودي بين الصين وروسيا على حدود نهر الاَمور، وشهدت تلك المنطقة نزاع حدودي منذ عام 1858، وانتهى بوضع اتفاقية ترسيم حدود بين الجانبين في 21 يوليو 2008.
وبحلول عام 2019، تحولت تلك المنطقة الحدودية إلى جسر تعاون، حيث تم تشيد جسر للسكك الحديدية يربط بين الجانب الصيني والروسي ويمر فوق نهر الاَمور، مما يعزز العلاقات التجارية بين البلدين، ويحافظ على اتفاقية ترسيم الحدود ويضمن حسن الجوار بين الطرفين .
أما عن المواقف الدولية بين كل منهم فهناك تقارب كبير بين وجهتي النظر الروسية والصينية، فيتحد الطرفان في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية ويحاول كل منهم تحجيم قوة الولايات المتحدة في النظام الدولي، كما يساند كل منم الأخر في مواقف دولية بعينها فمثلاً فتقف الصين صامته أمام ضم روسيا لشبه جزيرة القرم أو الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتقف روسيا صامتة بناء الصين لجزر اصطناعية في بحر الصين الجنوبي والمطالبات الإقليمية ذات الصلة.
2- المحدد الاقتصادي
شهد عام 2019م، المزيد من التعاون الاقتصادي الروسي الصيني وظهر ذلك من خلال؛
• مشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فعاليات المنتدى الدولي الثاني “حزام واحد، اتجاه واحد”. في أبريل 2019م، وإجراء المفاوضات بين الرئيس الروسي والرئيس الصيني شي جين بينغ، بشأن تدعيم العلاقات الروسية الصينية، والترويج للاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي (EAEU) الذي يهدف إلى خلق فرص حقيقية واضحة للتعاون بين الدول في القارة الأوروبية الآسيوية، ورفع الجانب الصيني من زيارة ومشاركة بوتن، فمنحت جامعة تسينغهوا إحدى الجامعات الرائدة في الصين بوتن شهادة الدكتوراه الفخرية .
• أجرت روسيا محادثات مع الجانب الروسي على المستوى الوزاري في أغسطس 2019، حيث انتهت تلك المحدثات التي قادها وزير التنمية الاقتصادية الروسي، مكسيم أوريشكين، إلى روسيا والصين تسعيان لتحقيق المزيد من التعاون الاقتصادي، وانتقال الصين إلى السوق الروسية واستبدال البضائع التي كانت تستوردها من الولايات المتحدة الأمريكية.
• استخدمت روسيا العلاقات الدبلوماسية مع الصين لتحقيق أقصى نفع اقتصادي، فأجرى السفير الروسي لدى الصين أندريه دنيسوف في منتصف ديسمبر محدثات مع الحكومة الصينية بشأن تحقيق المزيد من التعاون الاقتصادي بين البلدين وخاصة في مجال الطاقة.
• قدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتن دعوة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ، بزيارة روسيا في الفترة من 5 إلى 7 يونيو 2019 وشارك في المنتدى الاقتصادي الدولي الثالث والعشرين لسانت بطرسبرغ. في موسكو، عقدت مفاوضات بين رؤساء الدول، وتباحثا الرئيسين بشأن تدعيم العلاقات بين البلدين وخاصة الاقتصادية.
• ووقع الرئيس الروسي مع الرئيس الصيني في 5 يونيو البيان المشترك للاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية حول تطوير شراكة شاملة وتفاعل استراتيجي يدخلان حقبة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين.

3 – المحدد العسكري
شاركت مجموعة من القوات الصينية تحت إشراف وزارة الدفاع الصينية التدريبات العسكرية للقوات الروسية في الفترة من 16 سبتمبر إلى 21 سبتمبر عام 2019م، وقامت القوات بالتشارك في عروض عسكرية في مناطق أورينبورغ، تشيليابينسك، كيميروفو، وكذلك في إقليم ألتاي، وفي عدد من مناطق جنوب روسيا وبحر قزوين.
نقاط القوى والضعف في العلاقات الروسية الصينية
1- نقاط القوى
تسعى روسيا لإقامة علاقات تعاونية مع الصين، وتستند العلاقة بين القوتين على عدد من العناصر المشتركة التي من شأنها أن تعزز قيم التعاون بينهم وتعدد مجالات التشارك، وتضم تلك العناصر؛
أ‌- عدم الرضا عن النظام الدولي والمحاولة لتغير الوضع الدولي والخروج من سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية الدولية.
ب‌- التعاون الثنائي في مجالات تميز كل منهم وخاصة مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن والدفاع.
ت‌- التشارك في التوجهات السياسية المحلية، فكل منهم يميل إلى الأفكار الاشتراكية.
• لا شك في أن العداء المشترك تجاه أولوية الولايات المتحدة الأمريكية في السياسة الدولية وعدم الرضا عن سياسات أمريكية معينة، مثل نشر الدفاع الصاروخي، كان بمثابة الغراء الذي يربط العلاقات الصينية الروسية في القرن الحادي والعشرين. تعتبر كلتا الدولتين أن الولايات المتحدة تحد من حريتها في العمل في السياسة الدولية وتستخدم كلا الدولتين التعاون الثنائي، وخاصة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لموازنة الولايات المتحدة. العلاقات الوثيقة الاقتصادية تجعل من الصعب على واشنطن عزل روسيا أو الصين سياسيا، ولكن تظل العلاقة بين روسيا والصين تعاونية ضد الولايات المتحدة الامريكية.
• طورت كلتا الدولتين علاقات ثنائية كبيرة، لا سيما في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن والدفاع. أصبحت المناورات العسكرية المشتركة روتينية، مع التدريبات البحرية السنوية (البحر المشترك) والتدريبات البرية العادية (مهمة السلام). انتعشت مبيعات الأسلحة الروسية وتضمنت في الآونة الأخيرة طائرات مقاتلة من طراز Su-35 وأنظمة مضادة للصواريخ من طراز S-400. علاوة على ذلك، تلقى جيش التحرير الشعبي، لأول مرة، تقنية متطورة بنفس القدر كنظير هندي، إن مشاركة جيش التحرير الشعبي في التدريبات الروسية Vostok-2018 لم تبعث بإشارة سياسية قوية فحسب، بل أظهرت أيضًا تحسنًا قانونيًا وسوقيًا في التعاون من ميل إلى آخر.
• تشكل علاقات الطاقة عنصرًا مهمًا بشكل خاص في التعاون الصيني-الروسي نظرًا للمكانة المهمة التي تحتلها الطاقة في النظام السياسي المحلي لروسيا وسياستها الخارجية، وبرزت الصين كشريك روسيا الأول في هذا المجال، منذ العقد الماضي، قدمت بكين للشركات الروسية الرئيسية (روسنفت ، ترانسيفت) وشركات خاصة (نوفاتيك) عشرات الملايين من الدولارات في شكل قروض ومدفوعات مسبقة.
2- نقاط ضعف
• هناك نقاط تهدد العلاقات الروسية الصينية وأهمها التنافس على النفوذ الإقليمي، فكل من روسيا والصين يسعى للهيمنة الإقليمية لتحقيق مصالحه الوطنية، فمثلا كان هناك تخوف روسي من مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين في 2013، وكانت تسعى لإقامة جسر أوروبي آسيوي من خلال الاتحاد الأوروبي الآسيوي ويكون الجسر الممتد تحت رعاية وإشراف روسي، ولكن توقفت المبادرة الروسية بسبب الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها، مما وسع المجال أمام مبادرة الحزام والطريق الصينية.
• تصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية قد يقسم النظام العالمي إلى قوتين عظمتين لا تشمل روسيا، وأن النظام الروسي القائم تحت قيادة الرئيس بوتن يعزز العلاقات التعاونية بين روسيا والصين، ولكن قد يتغير رأس النظام في 2024 وتتغير معه شكل العلاقات بين الطرفين، لان تشابه السياسات المحلية القائمة بين الدولتين هو أحد عوامل التعاون بينهم فعلى سبيل المثال ، الجهود المشتركة لتغيير إدارة الإنترنت العالمية في الفضاء الإلكتروني، ينبع هذا النوع من التعاون من طبيعة النظام السياسي الموجود في كلا البلدين.
ثانيًا: روسيا والهند .. علاقات تاريخية ممتدة
تتمتع روسيا والهند بعلاقات تاريخية ممتدة تقوم على الثقة والمنفعة المتبادلة بين الطرفين، وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين الهند والاتحاد السوفياتي سابقًا روسيا حاليًا قبل استقلال الهند عن المملكة المتحدة في 13 أبريل 1947، وبعد استقلال الهند مباشرة نمت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، حيث استثمر الاتحاد السوفيتي في العديد من المؤسسات الهندية الجديدة في مجالات بناء الآلات الثقيلة والتعدين وإنتاج الطاقة ومصانع الصلب، فمن بين ستة عشر مشروعًا للصناعات الثقيلة التي تم إنشاؤها، تم إطلاق ثمانية منها بمساعدة الاتحاد السوفيتي. وشمل ذلك إنشاء المعهد الهندي للتكنولوجيا (IIT) بومباي .
وتعد روسيا الشريك الرئيس للدفاع للهند، والهند أكبر مشتر للمعدات العسكرية والأسلحة الروسية، وشاركت القوات الهندية في تدريبات مشتركة مع القوات الروسية في الفترة ما بين 21 و29 أكتوبر 2017 في فلاديفوستوك، وذلك تمشيًا مع التعاون الوثيق بين البلدين في قطاع الدفاع.

محددات العلاقات الروسية الهندية خلال عام 2019
1- المحدد السياسي
• اعتمدت روسيا في تحركاتها السياسية ناحية الهند على دبلوماسية القمم القائمة على الزيارات المتبادلة، فقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتن دعوة لرئيس وزراء الهند لزيارة روسيا والمشاركة في المنتدى الاقتصادي الشرقي الخامس وبالفعل قام رئيس وزراء الهند بزيارة فلاديفوستوك بروسيا في الفترة من 4 إلى 5 سبتمبر عام 2019م، وتواجد كضيف شرف في المنتدى.
• وأثناء انعقاد المنتدى تم عقد القمة الهندية الروسية العشرين، وخلال الزيارة تم توقيع قرابة 14 مذكرة واتفاقية تعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتعاون العسكري والنقل البري والنفط والغاز.
• كما قدمت روسيا الدعم الدولي للهند لكي يبقى ذلك الدعم ركيزة للتعاون بين البلدين ف دعمت روسيا موقف الهند فيما يتعلق بالنزاع بينها وبين باكستان على إقليم كشمير الحدودي في الأمم المتحدة، حيث أكدت روسيا أن الصراع لابد أن يتم حله من خلال المفاوضات والمحدثات الثنائية بين البلدين، وهو ما ترغب به الهند.
2- المحدد الاقتصادي
• شهد عام 2019م المشاركة الأولى لرئيس وزراء الهند في المنتدى الاقتصادي الشرقي، وركزت مشاركة الهند على البعد الاقتصادي في التعاون الروسي الهندي، وخاصة فيما يتعلق بتجهيز الماس والنفط والغاز الطبيعي والفحم .
• ومن أبرز المشروعات التي تم مناقشتها بين الهند وروسيا خلال القمة الثنائية العشرين التي جمعت بين البلدين، فتح طريق بحري يربط فلاديفوستوك الروسية بمدينة تشيناي جنوب الهند، مما يؤدي إلى تقليل المسافة والوقت المستغرق لنقل البضائع البحرية من الهند إلى روسيا، ويعزز التعاون والترابط بين البلدين.
• وسعت روسيا والهند التعاون الاقتصادي بينهم من خلال حزمة من الإجراءات اتفقت عليها حكومة البلدين، فأصدرت الحكومة الروسية بيان في سبتمبر 2019م، يؤكد على سعي البلدين للمزيد من التعاون الاقتصادي، وأن يصل حجم التجارة بين البلدين إلى 30 مليار دولار في عام 2025م، وكانت قد بلغت حجم التجارة الثنائية بين الهند وروسيا حوالي 8.2 مليار دولار خلال الفترة 2018-2019.
• شرعت حكومة كل من روسيا والهند خلال عام 2019م، في اخذ خطوات جدية وتكثيف العمل من اجل إلغاء الحواجز التجارية بين البلدين، وتشجيع الاستثمارات والتوسع في مجالات التعاون الاقتصادي.
3- المحدد العسكري
خلال عام 2019م، كان هناك العديد من التحركات على مستوى التعاون العسكري بين روسيا والهند حيث؛
• تعاقدت الهند مع روسيا على استيراد مروحيات روسية من طراز”كاي ايه- 226 تي”، وليس ذلك فحسب أنما سعت الهند وروسيا لتوسيع دائرة التعاون العسكري ونقل التكنولوجيا الروسية إلى نيودلهي، فتعمل روسيا على إنجاز عقد لتسليم الهند للمروحيات على أن تُصنع 60 منها في روسيا و140 في الهند لدى شركة هندية روسية.
• تعاقدت الهند على شراء نظام الصواريخ الروسية S-400، على الرغم من أن القيام بذلك يؤدي إلى إخضاع الهند للعقوبات الأمريكية ويمنع جيشها من المشاركة في برنامج طائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-35، ولكن ذلك لم يمنع الهند من التعاقد مع روسيا.

نقاط القوى والضعف في العلاقات الروسية الهندية
1- نقاط القوى
• تحرص روسيا دائمًا على تقديم الدعم الإقليمي والدولي للهند، فتدعم روسيا موقف الهند في المنظمات الدولية كما في الأمم المتحدة وبريكس ومجموعة العشرين، وكذلك في المنظمات الإقليمية المختلفة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ مثل رابطة أمم جنوب شرق آسيا ومنتدى قمة شرق آسيا. فمثلاً دعمت روسيا عضوية الهند في منظمة شنغهاي للتعاون، وتم قبول الهند كعضو كامل في المنظمة في عام 2017.
• تشترك الدولتان في وجهات نظر متشابهة حول مكافحة الإرهاب من دون ازدواجية المعايير، ونظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر تمثيلا يستند إلى القانون الدولي مع قيام الأمم المتحدة بدور مركزي، وحل التهديدات للسلم والأمن الدوليين. تؤيد روسيا العضوية الدائمة للهند في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فيما يتعلق بسوريا وأفغانستان، دعا كلا البلدين إلى اتخاذ إجراءات حازمة للتوصل إلى حل دائم وسلمي، وهزيمة قوى الإرهاب في العالم.
• تسعي الهند لتعزيز التعاون مع روسيا في مجال الطاقة وذلك لتوسيع دائرة شركائها في ذلك المجال والتخلص من الضغوط الخارجية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فنيودلهي هي ثالث أكبر مستورد للطاقة في العالم وتحتاج إلى مزيد من الطاقة. كلما زاد عدد شركاء الطاقة في الهند، زادت قدرتها على التفاعل مع البيئة الجيوسياسية المتغيرة. ففي يونيو 2019، لم تكن الهند متأكدة مما إذا كانت الولايات المتحدة ستمنحها تنازلًا عن مواصلة استيراد النفط الإيراني، مما تسبب في ارتفاع أسعار النفط مما جعل الهند تسعى لوطيد علاقتها مع روسيا بشكل أكبر.
• تحجيم قوة الصين، لا شك أن هناك تنافس قوي بين الصين وروسيا على السيطرة وبسط النفوذ في المنطقة، وإطلاق الطريق البحري الجديد بين الهند وروسيا، خطوة في مواجهة طريق الحرير الصيني ويعمق نفوذ الهند في منطقة بحر الصين الجنوبي الخاضع للسيطرة الصينية.
2- نقاط الضعف
تعرض الهند لضغوط خارجية خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة تعزيز التعاون الهندي الروسي وخاصة في المجال العسكري، مما قد يؤثر على التوجهات الهندية ناحية روسيا ويجعلها تتراجع في خطوتها التقدمية ناحية روسيا اقتصاديًا وعسكريًا.
ثالثًا: العلاقات بين روسيا واليابان
تتمتع روسيا وجارتها الجغرافية اليابان بعلاقات تاريخية ممتدة تختلف تارة بين التعاون التنافس لتصل إلى حد الحرب بسبب القضايا الحدودية المشتركة، اليابان وظهر تضارب المصالح على شبه الجزيرة الكورية ومانشوكو تسبب في الحرب الروسية اليابانية في عام 1904-1905، انتهت الحرب بتوقيع معاهدة بورتسمث التي توسط فيها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، وساعدت هذه الحرب اليابان لتصبح قوة عظمى، كما ساعدت على اندلاع الثورة الروسية.
وقعت روسيا واليابان اتفاقية، قضت بتقاسم الجزر الجنوبية الأربعة من جزر كوريل لتحصل كلٌ منهما على جزيرتين، ولكن هذا الاتفاق لم يصمد طويلًا بعد توقيع اليابان اتفاقًا أمنيًا مع الولايات المتحدة، عقب اشتعال الحرب الباردة، مما جعل موسكو تتخلى عن التزاماتها بشأن هذا الاتفاق.
تَسير العلاقات بين روسيا واليابان في مسارين غير متكافئين، شبكة من التعاون تتوسع ببطء في مختلف المجالات، فخلال فترة رئاسته الأولى لروسيا (2000-2004)، كان هدف فلاديمير بوتين الاستراتيجي هو دمج روسيا في المجتمع العالمي، ولتحقيق هذه الخطة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، قرر تعديل العلاقات مع طوكيو والاعتماد على الأموال والتقنيات اليابانية لتحسين الوضع الخارجي، واقترح أثناء زيارته لها عام 2000 خطة رئيسة لتوسيع خط السكك الحديدية العابر لسيبيريا إلى اليابان، وبناء جسر للطاقة بين البلدين، فذلك مسار التعاون أما المسار الأخر هو الصراع والتنافس نتيجة عدم الوصول إلى اتفاق مشترك حول الجزر الحدودية بين الدولتين.
تحركات روسيا ناحية اليابان 2019
1- محدد سياسي
شهد يناير 2019 استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لبحث مسألة جزر الكوريل المتنازع عليها بين البلدين. وذلك إثر لقائهما على هامش منتدى اقتصادي في فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي، واستبعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إمكانية التوصل قريبا لتسوية للنزاع مع اليابان حول السيادة على جزر الكوريل، بوتين إن “هذه المسألة تم بحثها على مدى عقود، وسيكون من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن حلها يمكن أن يكون سريعًا”.

2- المحدد الاقتصادي
مازالت العلاقات الاقتصادية الروسية اليابانية محدودة، ولكن شهد عام 2019م، بوادر توسيع دائرة العلاقات الاقتصادية وذلك بعد أن وقعت شركة Mitsui & Co اليابانية والشركة اليابانية للنفط والغاز والمعادن المدعومة من الدولة (JOGMEC) بروتوكولًا مع شركة Novatek للغاز الروسي بشأن الاستثمار في مشروع الروسي Arctic LNG2.
3- المحدد العسكري
على الرغم من أن العلاقات العسكرية الروسية اليابانية محدودة، إلا أن عام 2019م، شهد بعض التحركات من الجانبين نحو التعاون في المجال العسكري ومنها؛
التعاون بين سلطات الدفاع: زيارة رئيس أركان قوة الدفاع الذاتي البرية اليابانية (JGSDF) الجنرال يواسا روسيا في (مايو) والمشاركة الأولى للفرقة JGSDF المركزية في مهرجان سباسكايا الدولي للموسيقى العسكرية في روسيا (أغسطس)؛ وزيارة القائد الأعلى للبحرية الروسية إلى اليابان في نوفمبر.
(2) التعاون بين سلطات خفر السواحل: زيارة قائد خفر السواحل الياباني، الأدميرال إيوانامي إلى روسيا وعقد اجتماع خفر السواحل الياباني الروسي (يوليو)؛ وانعقاد القمة العالمية الثانية لخفر السواحل (نوفمبر، طوكيو).
(3) مكافحة المخدرات: التدريب في إطار مشروع دوموديدوفو (تطوير حوالي 200 من خبراء مكافحة المخدرات في السنوات الخمس الماضية).
نقاط القوى والضعف في العلاقات الروسية اليابانية
1- نقاط القوى
حمل عام 2019، بوادر للبداية في علاقات تعاونية بين روسيا واليابان قائمة على الأساس الاقتصادي وخاصة مجال الطاقة وتحديدًا الغاز الطبيعي.
2- نقاط الضعف
قضية التنازع على الجزر بين روسيا واليابان هي القضية المحورية بين البلدين، وطالما لم يتم إنهاء النزاع وترسيم الحدود فان العلاقات بين البلدين ستستمر في التذبذب والتأرجح ناحية التراجع وخاصة مع انضمام اليابان لجانب الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة العداء التقليدي مع روسيا.
مستقبل الأمن الإقليمي
لم يعد مفهوم الأمن الإقليمي يشمل الأمن الدفاعي التقليدي المرتبط بالأمن الغذائي أو أمن العمالة أو الأمن البيئي أو الأمن الداخلي، بل يتعداه لتحقيق ما تصبو إليه سياسة هذا الإقليم أو ذاك كالأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي، وأمن المجتمع المحلي والأمن السياسي، وتعزيز قدرات الدولة الواحدة للتخلي عن الثغرات وملء النقائص السلبية التي تدفع بها إلى الانجرار في حملات غير حميدة العواقب.
ومن هنا ومن خلال النظر إلى نقاط القوى والضعف في العلاقات بين روسيا والقوي الإقليمية والوزن التارجيحى للمحددات، فأن مستقبل الأمن الإقليمي بالمنطقة الآسيوية قد يسير في اتجاهين الأول التعاون، وذلك يرتكز على تدعيم العلاقات الاقتصادية والمصالح المشتركة بين القوى الإقليمية، الثاني التنافس، وذلك يرتكز على الصراع على النفوذ والهيمنة في المنطقة وتنشيط النزاعات الحدودية التاريخية.
والتوجه لأي من المسارين التعاون أو التنافس يعود إلى توجهات القيادة السياسية، وتتحدث المؤشرات أن المسار الأقرب هو التعاون وتحقيق المصالح المشتركة، ومن ثم ضمان استقرار الأمن الإقليمي.

الخاتمة
تسعى روسيا في علاقتها مع القوى الإقليمية الأسيوية إلى بناء نظام إقليمي متكامل يقوم على التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، وتستند عليه روسيا في مواجهة علاقتها المذبذبة مع الغرب الأوربي.
وتتحرك روسيا في الآونة الأخيرة جاهدة لحل كل النزاعات والصراعات الإقليمية، لبناء السلم والأمن الإقليمي، كما أنها تسعى لتكون جبهة إقليمية موحدة يكون لها صوت دولي واحد مساند لبعضه البعض ضد الغرب الأوروبي.
وتتشارك روسيا الطموحات مع الكثير من القوى الإقليمية وخاصة الصين، العملاق الأسيوي الصاعد، وتحديدًا فيما يتعلق بالمنافسة الصينية الأمريكية، فحتى بعد انتهاء الحرب الباردة تظل الولايات المتحدة الغريم التقليدي لروسيا على الرغم من وجود علاقات متبادلة في الوقت الراهن، إلا أن الصراع التاريخي الفكري والاقتصادي مازال قائمًا.
والصعود في العلاقات التعاونية بين روسيا والصين يقدم لكل منهم فرصة قوية للتقدم على جميع الأصعدة وخاصة الاقتصادية والعسكرية والتي يكمل كل منهم الأخر فيها.
وبالنسبة للهند فالعلاقات الودية بينها وبين روسيا على مدار التاريخ، هي دافع حقيقي لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين وتدعيم موقف إقليمي ودولي مشترك، وتسند روسيا الهند في قضية إقليم كشمير في الساحة الدولية.
أما اليابان فتظل العلاقات بين الطرفين محدودة إلى أن يتم إنهاء الصراع الحدودي المتعلق بالجزر، والنظر إلى نطاقات أوسع من التعاون والاستناد إلى الجانب الاقتصادي.
وأن التوجه ناحية نظام إقليمي مؤسسي بقوانين ولوائح ملزمة هو أنسب الحلول للعلاقات الإقليمية الآسيوية، وضمان استقرار الأمن الإقليمي، لأن وضع العلاقات في نظام مؤسسي يمنحها القوى الدولية، وتكون خطوة اتجاه تكامل إقليمي شامل، فوجود منظمة إقليمية آسيوية شاملة على غرار الاتحاد الأوربي، تدمج الإقليم وتنهي الصراعات وتجعل منه قوى عظمي ذات توجه موحد، قد يغير شكل النظام العالمي ويقلب موازين القوي وخاصة مع تحالف روسي صيني.

قائمة المراجع
مراجع بالغة العربية

1. نردين حسن، الاستراتيجية الروسية في ظل نظام أحادي القطبية، ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة بيرزيت، فلسطين، 2011م.

2. عقدة الكوريل”: أي مستقبل للعلاقات الروسية اليابانية؟، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي: http://www.acrseg.org/40765

3. روسيا تغازل الصين بديلاً للأسواق الأميركية، الشرق الاوسط، متاح على الرابط التالي: http://bit.ly/3846N .
4. محمد زريق، العلاقات الروسية-الصينية في الجغرافيا السياسية، الميادين، متاح على الرابط التالي: http://bit.ly/2Vy6ACe.
مارتن غريفيثس وتيري أوكلاهان ، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، مركز الخليج للدراسات، دبي ،2004.

5. نورهان الشيخ، قراءة في منتدى بطرسبرج ودلالاته، موقع جريدة الأهرام، 27/5/2018، على الرابط التالي: http://bit.ly/2Vy4wdw.
6. اليابان تقول إن روسيا تدعم خطتها لتخفيف التوتر بين أمريكا وإيران، رويترز، متاح على الرابط التالي، http://bit.ly/2Pw8PCf.
7. اليابان تجر الولايات المتحدة إلى المفاوضات مع روسيا، روسيا اليوم، متاح على الرابط التالي: http://bit.ly/32y93hF.

مراجع بالغة الانجليزية

1. Bobo Lo, Once more with feeling: Russia and the Asia-Pacific, Lowy Institute, Australia, August 2019.

2. Christopher Weidacher Hsiung, Facing the “new normal”: The strong and enduring Sino-Russian relationship and its implications for Europe relationship and its implications for Europe, SWEDISH INSTITUTE OF INTERNATIONAL AFFAIRS, Sweden, 2019.

3. Christopher Weidacher Hsiung, Facing the “new normal”: The strong and enduring Sino-Russian relationship and its implications for Europe relationship and its implications for Europe, SWEDISH INSTITUTE OF INTERNATIONAL AFFAIRS, Sweden, 2019.
4. Chaka Ferguson, “The Strategic Use of Soft Balancing: The Normative Dimensions of the Chinese-Russian‘Strategic Partnership” Journal of Strategic Studies, Vol. 35, No. 2, 2012.
5. Prathamesh Karle, “Russia’s Tilt towards Asia and its Implications for India”, ORF, Issue Brief No. 287, April 2019.
6. Yoko Hirose, Japan-Russia Relations: Can the Northern Territories Issue be Overcome?, CSIS, Japan chair,2018.
7. Sergey Sevastyanov, Hopes and Realities in Relations Between Russia and Japan: Is a Breakthrough Possible?, East Asia, Volume 34, Issue 1, March 2017.
8. Alexey Khlebnikov, A Russian Pivot to Asia?, Center for the National Interest, available on: http://bit.ly/2I15AP8.
9. ABOUT THE EASTERN ECONOMIC FORUM, available on https://forumvostok.ru/en/about-the-forum/
10. The Shanghai Cooperation Organisation, available on: http://bit.ly/2T94G9J.
11. The Belt and Road Initiative, lehman brown International Accountants، available on: http://www.lehmanbrown.com.
12. Russia Tightens Oil Grip With China’s Second Pipeline, available on: https://bloom.bg/383FFkk.
13. Relations between India and Russia, Embassy of India in Moscow, available on: http://bit.ly/2Vr9zfL.
14. Russia backs India at UN closed door session on Kashmir contrary to reports,The Economic Times, available on: http://bit.ly/2Vy1RAn.
15. RUSSIAN-JAPANESE RELATIONS, Russian Embassy in Japan, available on: http://bit.ly/2T7Mo8V.
16. Relations between India and Russia, Embassy of India in Moscow, available on: http://bit.ly/2Vr9zfL.
17. Russia-India Relations, the DIPLOMAT, available on: http://bit.ly/2T1GBBs.

مراجع بالغة الروسية

1. События Рабочий визит в Китай, http://bit.ly/396WhJj.
2. Экономическое сотрудничество расширяется, available on: http://bit.ly/2I227Qo.

3. Экономическое сотрудничество расширяется, «Редакция «Российской газеты», available on: http://bit.ly/2I227Qo.
4. Военный атташе Китая: требуем от США соблюдать осторожность в речах и поступках, available on: http://bit.ly/2vn0f1J.
5. Военные из Китая прибывают на учения «Центр-2019», available on: http://bit.ly/2w65Zgt.
6. Двусторонние отношения: Индийско-российские отношения, Embassy of India in Moscow, available on: http://bit.ly/2T2ykgE.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*